الرئيسية
الأخبار
تحقيقات
تقارير
أهالينا
حوادث و قضايا
أدب وثقافة
رياضة
ارسل مقالا
الوثائقية
راسلنا
من نحن
"كرستوفر كولونبوس" إعداد/ وليد البشير
"كرستوفر كولونبوس" التاجر الصغير ما هي الحقيقة وراء رحلته الاستكشافية؟ كان من الأوروبيين الأصليين وأقرب شخص إليه في التاريخ هو "نابليون" فكلاهما إيطالي من خلفية فقيرة، وعائلة كبيرة. في القرن الخامس عشر كان العالم المعروف صغيراً، وباستخدام النظريات الرياضية والخرائط استطاع "كولونبوس" إقناع ملك وملكة إسبانيا، بأن ثراء الشرق بين يديه، وأن باستطاعته تجنب الطرق التجارية المعروفة بالاتجاه غرباً. تحدى الجميع، أبحر في مياه مجهولة، وسبق الرياح العاتية التي كانت ستجعل عودته صعبة. لقد انطلق باتجاه الأفق الذي اعتقد بأنه نهاية عالمنا المسطح. ينطلق معظم المستكشفين بعكس اتجاه الرياح، وهذا يعني عودتهم السريعة بمساعدة الرياح وإلا واجهوا المتاعب، "كولونبوس" كان شجاعًا بما يكفي للإبحار واضعاً الرياح خلفه مما سبب ذعراً بين بحارته. خدع طاقم السفينة بتحريف سجل السفينة لإقناعهم بأنهم قريبون من وطنهم. بعد مائة يوم في البحر شوهدت اليابسة أخيراً عندما أوشك الطاقم على التمرد. اكتشف "كولونبوس" مناطق البحر الكاريبي معتقداً بأنه وصل إلى الشرق، وأسماها "الإينديز الغربية". رغم قيامه بأربع رحلات إلا أنه لم يعثر على طريق الصين أو الثراء. مات في إسبانيا عام 1506 حزيناً من صيت الكاذب، لكن بواسطته اكتشف العالم الجديد. ولكن هل تحكي سجلات رحلة "كولونبوس" والتي دونها ورثته بعد وفاته القصة بأكملها؟ هل كان "كولونبوس" سيستمر لو علم فعلاً وجهته؟ هل تم عبور أمواج الأطلسي العاتية من قبل؟ في منتصف القرن الخامس عشر بدأ راسمو الخرائط يشكون بالقصص الغربية. قبل أن يتحول "كرستوفر كولونبوس" إلى مستكشف مشهور كانت لديه مهنة مثل الجميع، كان يكسب رزقه من رسم الخرائط للملاحين الآخرين. عثر على خريطة "بيري رييس" في اسطنبول عام 1929 والتي رسمها أدميرال تركي في القرن السادس عشر بعد جمعه لعدة خرائط قديمة مفقودة. تظهر الخريطة جزراً غير معروفة للأوربيين زمن "كولونبوس" والغريب أنها تحدد قارة "أنطاكتيكا" قبل اكتشاف الأوروبيين لها، وكذلك قبل أن تصبح القارة متجمدة. الخريطة واحدة من أعظم أسرار الاستكشاف، فهل شهد "كولونبوس" نسخة منها؟ لن نعرف الإجابة. لكن هذه الخريطة ليست المصدر الوحيد لهذه المعلومات الغامضة. قبل قرون من "كولونبوس" هاجر شعب التولي السيبيري عبر مضايق "بيرنج" إلى أقصى شمال كندا في سباق استكشاف مرعب حاملين خرائطهم في ذاكرتهم، بعد أن توارثوها بواسطة رسمها على الرمال. في القرن التاسع عشر ذهل المستكشفون من دقة خرائط التولي، ولكن هل قابل المستكشفون الأوائل التولي، ونسخوا خرائطهم ثم نقلوا المعلومات إلى راسمي الخرائط في عهد "كولونبوس"؟ تدعم الأبحاث الحديثة هذه النظرية، فإذا شاهد "كولونبوس" خرائط لا يعرفها سوى "التولي" فكيف وصلت إلى أوربا؟ ومن هو المسئول عن ذلك؟ مستكشف الفايكنج إيرك الأحمر أبعد عن أيسلندا عام 982 بعد الميلاد كعقاب له على مشاركته في صراع ثأري دموي. أبحر باتجاه الغرب المجهول، واكتشف "جرين لاند", والتي أسماها كذلك لجذب اهتمام الناس إليها، فقد كانت مغطاة بالثلوج. بعد استقراره هناك خطط مع ابنه ليف لرحلة أخرى لكنه توفي قبل الإبحار، ثم بعد ذلك وصل "ليف" إلى شواطئ بعيدة وأسماها "فين لاند". اعتبرت ملحمة "الفايكنج" هذه أسطورة لمدة طويلة من الزمن، لكن الدلائل الأثرية المكتشفة في ستينيات القرن العشرين وفي أراضي "نيو فاوند لاند" وجدت مزرعةً تعود للقرن العاشر. هل نقل "الفايكنج" خرائط "التولي" وأعادوها إلى أوروبا؟ ربما، لكن هناك من سبقوهم أيضاً. كان هناك في الحقيقة رحالة يبحرون في المحيط الهادئ بواسطة قوارب جليدة، في بداية القرن العاشر قبل الميلاد مثل الفينيقيين والسلتيين والأيرلنديين والولسيين، وكانت أساطيرهم تحكي عن رحالة المحيط الهادي قبل وصول "الفايكنج" عام ألف بعد الميلاد. بين الذين ادعوا اكتشافهم لأميركا يبقى اسم واحد فقط مرتبطاً بالعالم الجديد. لكن هل كان "كولونبوس" أجرأ من "ليف أريكسون" أو "أسكم التولي"؟ فهناك عدة مرشحين لحمل لقب أشجع المستكشفين. ربما عبر الفينيقيون القدماء أيضاً المحيط الهادئ، وكـ"التولي" تم التغاضي عن مساهمتهم في الاستكشاف. يروي المؤرخ الإغريقي قصة رحلة خرافية للفينيقيين انطلقت لاكتشاف حدود العالم في القرن الثامن قبل الميلاد. كان البحارة خائفين لكنهم أجبروا على مواصلة الرحلة لعدة أشهر. بعد عودتهم وصف البحارة المشاهد المثيرة التي رأوها لمخلوقات وأراضٍ غريبة. وتحدثوا عن الاتجاه الغريب لشروق الشمس، لقد ادعوا بأنهم وصلوا إلى مكان تشرق فيه الشمس من الشمال من الجهة اليمنى لسفينتهم، لكن هذه الادعاءات غير المعهودة جوبهت بعدم التصديق. بعد ألفي عام وعندما أبحر المستكشف الشهير "فاسكو ديجاما" حول إفريقيا في طريقه إلى الهند في القرن الخامس عشر اتضحت الأسطورة، فبعد الدوران حول رأس الرجاء الصالح وجد "ديجاما" بأن الشمس تشرق فعلاً من الشمال، مما يثبت صحة رواية الفينيقيين. شواطئ أرض كنعان كانت موطن الفينيقيين حيث تعلموا بناء السفن التجارية المقطورة. كانت مناسبة لسيدة مستكشفة بعيداً عن صراع عائلات كنعان لتأسيس دولة قوية كروما. أصبحت "قرطاجنة" مدينة قوية ذات سلطان دستورية، اشتهرت ببحيرتها وكان بناؤها ثامن عجائب العالم القديم. قدمت السفن الفينيقية أيضاً النموذج لأعظم السفن الحربية في العالم القديم. سفينة "تراي ريم" الإغريقية، وتمكنوا من الابتعاد عن الطرق القريبة من الشواطئ وجابوا العالم للتجارة والبحث عن الكنوز. هناك دلائل مذهلة على التجارة، فقد عثر على خرز من الكهرمان من منطقة البلطيق وأدوات من مصر وبيوض نعام من إفريقيا، ولذلك كانوا متصلين بشبكة تجارية ضخمة، فقد كانوا تجاراً كفئين، هذا هو المضمون الذي يجب علينا النظر للاستكشاف من خلاله. كما دفعت التجارة الفينيقيين إلى مخاطر البحار والأراضي المجهولة، وكانت التجارة أيضاً محفزة عصر الاستكشاف الأوربي. فهل يعتبر رحالة التجار أبطال الاستكشافات الذين خاطروا لاكتشاف طرق تجارية جديدة. لقرون كانت طرق الشرق محمية بواسطة الفرس المتيقظين الذين عملوا كوسطاء وحققوا أرباحاً طائلة من تجارة التوابل. "ماركو بولو" التاجر القادم من البندقية، أصبح أشهر من وصلوا إلى الشرق، أبحر عام 1271 بحثاً عن هذا العالم الجديد المجهول سالكاً طريق الحرير، ليكون أول غربي يصل إلى الصين. استقر هناك سبعة عشر عاماً في خدمة الإمبراطور "كوبلا كان" وبعد عودته أهدى رواياته لكاتب قصص خرج بكتاب من كتب الأسفار الأوروبية في العصور الوسطى، ومن المؤكد أن "كولونبوس" كانت لديه نسخة منه، لكن هل كانت النسخة مزيفة؟ هذا الاحتمال وارد فإذا دققنا في النص فسنعرف بأنه لن يذهب هناك مطلقاً، وربما كانت رواية "ماركو بولو" نسخة ثانية لوصف الصين، لكنها ليست شاهداً على هذا الوصف. يعتقد بعض المؤرخين الآن بأن الكثير من رواياته مبنية على روايات تجار الفرس، لكن إذا لم يكن "ماركو بولو" أول غربي يكتشف الصين فمن يكون إذن؟ برز مرشح آخر عام سبعة وتسعين، وهو تاجر إيطالي يدعى "جيكوب دان كونا" الذي نزل في ميناء الزيتون جنوب شرق الصين في العام الذي أبحر فيه "ماركو بولو". كان الزيتون مدينة تنتظر فتحها المؤكد من قِبل المغول، وقد وصف "جيكوب" إنذهاله من تجارتها غير المحدودة، وألعابها النارية وأوراقها النقدية، وإباحيتها. لكن المخطوطة الأصلية لرواية "جيكوب" لن يشاهدها سوى رجلين فقط، أحدهما: بروفيسور في "أكسفورد" والثاني: مالكها المجهول، بينما يعتبرها معظم العلماء مزورة. ويبقى سر أول مستكشف غربي للصين قائماً. تملك الصين مستكشفاً بطلاً قزمت استكشافاته روايات "ماركو بولو" و"كولومبوس". لكن التاريخ الصيني الرسمي تجاهله لمئات السنين. كان "تشينكو" الخادم والصديق المقرب للإمبراطور الثاني "ينج لو" المسلم والرجل العسكري المستقل. جاء من عائلة متواضعة لكنه كان طفلاً غير اعتيادي في سن العاشرة، فقد اختير لإدخاله في الخدمة الحكومية، وتصفه قصصه العائلية بأن طوله كان سبعة أقدام وكان ممتلئ الجسم، لذلك كانت شخصيته مهيبة. كان أدميرالاً في البحر وجنرالاً على اليابسة، ودبلوماسياً بارعاً. بين عامي 1405 و 1433 قاد "تشينج هو" سبعة رحلات استكشافية كانت أضخمها مكونة من ثلاثمائة سفينة، وثلاثين ألف رجل. أخذته الرحلات بعيداً إلى الهند وبلاد فارس والجزيرة العربية، وتيمور في إندونيسيا، وإلى بعد أميال من أستراليا. أوصلته رحلاته إلى الغرب عبر المحيط الهندي، إلى شواطئ خفية لقارة لم يعرفها الصينيون من قبل. إفريقيا جلب منها الهدايا لإسعاد الإمبراطور كالتوابل والمجوهرات وزرافة واحدة. توفي "تشنج هو" خلال رحلته السابعة عن اثنين وستين عاماً، لكن لماذا اختفى هذا المستكشف من التاريخ؟ كانت الصين متقدمة على أوربا، وما إن تغير الإمبراطور حتى توقفت الرحلات الاستكشافية ؛ لأنها عنت التطور والتغيير. في حين رغب حكام الصين الجدد بالمحافظة على الأوضاع كما هي؛ ولذلك حذف "تشنج هو" من التاريخ الصيني. لن رفض الصين للمبادرة دفع دولاً أخرى لفعل ذلك. بعد ثلاثة قرون من رحلات "تشينج هو"
و "كولونبوس" أبحر منافس أعظم مستكشفي العالم من إنجلترا واكتشف أيضاً بأن الرحالة سبقوه إلى وجهته. عام 1790 وبعد أسابيع في البحر دخلت السفينة ميناءً طبيعياً لقارة مجهولة. كان قائدها المنهك رجل علم من جيل جديد من المستكشفين، ولحذره من هذه الأرض المجهولة أسماها "بوتني باي". كان المستكشف البريطاني الكابتن "كوك" قد حط في أستراليا التي كانت تعتبر مجرد أسطورة كأطلانطس المحيط الهادي.
مع أن البرتغاليين والدينماركيين شاهدوا هذه الأرض قبله إلا أن "كوك" شعر بضرورة استكشاف ورسم خرائط أستراليا ونيوزيلندا. قطع "كوك" عشرة ملايين ميل مربع من المحيط الهادئ ثلاث مرات، ومنح الإمبراطورية البريطانية أقاليم جديدة أكثر من غيره. كانت رحلاته مذهلة، فقد اكتشف بأن أبعد جزر المحيط كانت مستعمرة بالفعل. ولكونه عالماً ازدادت دهشته عندما علم بأن الأناس الذين وجدهم يشتركون في السلف، لكن كيف وصلوا إلى هناك، كيف استطاعوا دون تكنولوجيا متطورة استعمار جميع جزر المحيط. في جزيرة "تهيت" الرائعة حاول "كوك" فهم كيفية عثور سكانها على الطريق إليها. كانت الرياح التجارية تهب بقوة من الشرق مشيرة إلى الأصول الأميركية لهؤلاء المستعمرين. وبما أنهم لا يشبهون سكان أميركا حينها فلابد أنهم جاءوا من الغرب، لكن الرياح لا تهب من ذلك الاتجاه، ولم يتمكن من فهم هذا اللغز طوال حياته، فلم يعد "كوك" أبداً من رحلته الثالثة، فكغيره من المستكشفين تعرض لموت مفاجئ وعنيف. ما إن نزل على جزيرة "هاواي" عام 1779 حتى هاجمه سكانها وقتلوه، لكن نظرية "كوك" كانت صحيحة، فشعوب "بلونيزيا" جاءوا من الغرب، فهل سيتمكن علم الآثار وعلم الجينات الحديثة من معرفة المدى الكامل لهجراتهم؟ الدلائل تشير الآن إلى أن شعوب "لولنيزيا" جاءوا من "تونجا" و"صاموا"، ثم انتشروا بشكل تدريجي نحو الغرب حيث جزيرة "إيستر" ثم شرقاً إلى "نيوزلندا" بعد سبعة قرون. تعلم بحارة " بلونيزيا " تسخير الرياح الغربية الضعيفة باللجوء إلى توجيهات الشمس، ونجوم السماء وتشكيلات السحب وأمواج المحيط. فقد اطمئنوا كبحارة إلى إمكانية عودتهم إلى وطنهم عند تغير اتجاه هبوب الرياح إلى الشرق. باستخدام القوارب الخشبية الصغيرة أبحروا مع عائلاتهم ومعهم ما يحتاجونه لاستعمار الجزر الجديدة. تطلبت هذه الرحلات المدهشة قدراً كبيراً من الشجاعة، فقد قطعت شعوب "بلونيزيا" آلاف الأميال من البحار الخطرة في قوارب ضعيفة. لكن شعوب "بولنيزيا" لم تكن الوحيدة التي يتم تجاهلها بين المستكشفين. أصبح الأدلاء المحليون مسألة حياة أو موت عندما قصد المستكشفون قارات مجهولة كإفريقيا وأستراليا وأميركا.
وقد أخبرنا العلماء بأن هذه المخلوقات تسير وتجري في الكون بسرعات عالية، وتجذب إليها كل جسم يقترب منها. والآن لو طلبنا من علماء الفلك أن يعرِّفوا لنا هذه المخلوقات العجيبة تعريفاً علمياً مطابقاً لأحدث ما وصلوا إليه، فإنهم سيقولون: 1ـ الثقوب السوداء هي نجوم ثقيلة وشديدة الاختفاء فلا تمكن رؤيتها أبداً. 2ـ هذه المخلوقات تسير بسرعات كبيرة جداً تبلغ آلاف الكيلومترات في الثانية الواحدة. 3ـ الثقوب السوداء تجذب وتبتلع وتكنس كل ما تجده في طريقها كنساً.
قال تعالى :( فلا أقسم بالخنس الجوارِالكنس )التكوير (15 ـ16). والمدلول اللغوي لهاتين الآيتين الكريمتين‏:‏ أقسم قسماً مؤكداً بالخنس الجوار الكنس‏,‏ والسؤال الذي يتبادر إلي الذهن هو‏:‏ ما هي هذه الخنس الجوار الكنس التي أقسم بها ربنا‏(‏ تبارك وتعالى‏)‏ هذا القسم المؤكد‏,‏ وهو‏(‏ تعالى‏)‏ غني عن القسم؟ وقبل الإجابة علي هذا التساؤل لابد لنا‏:‏ أولا‏:‏ من التأكيد تدل على حقيقة قرآنية مهمة مؤداها أن الآية أو الآيات القرآنية التي تتنزل بصيغة القسم تأتي بمثل هذه الصياغة المؤكدة من قبيل تنبيهنا إلى عظمة الأمر المقسوم به‏,‏ وإلى أهميته في انتظام حركة الكون‏,‏ أو في استقامة حركة الحياة أو فيهما معا‏,‏ وذلك لأن الله‏(‏ تعالى‏)‏ غني عن القسم لعباده‏.‏ ثانيا‏ً:‏ أن القسم في القرآن الكريم بعدد من الأمور المتتابعة لا يستلزم بالضرورة ترابطها‏,‏ كما هو وارد في سورة التكوير‏,‏ وفي العديد غيرها من سور القرآن الكريم من مثل سور الذاريات‏,‏ الطور‏,‏ القيامة‏,‏ الانشقاق‏,‏ البروج‏,‏ الفجر‏,‏ البلد‏,‏ الشمس‏,‏ والعاديات‏,‏ ومن هنا كانت ضرورة التنبيه علي عدم لزوم الربط بين القسم الأول في سورة التكوير‏:‏ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ {15}الْجَوَارِ الْكُنَّسِ {16} وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ {17} وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ }والقسم الذي يليه في الآيتين التاليتين مباشرة حيث يقول الحق‏(‏تبارك وتعالى‏):‏ { وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ {17} وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ{18} ‏(‏ التكوير‏:18,17)‏ وهو ما فعله غالبية المفسرين للأسف الشديد‏,‏ فانصرفوا عن الفهم الصحيح لمدلول هاتين الآيتين الكريمتين‏.‏ ثالثا‏:‏ تشهد الأمور الكونية المقسوم بها في القرآن الكريم للخالق‏(‏ سبحانه وتعالى‏)‏ بطلاقة القدرة‏,‏ وكمال الصنعة‏,‏ وتمام الحكمة‏,‏ وشمول العلم‏,‏ ومن هنا فلابد لنا من إعادة النظر في مدلولاتها كلما اتسعت دائرة المعرفة الإنسانية بالكون ومكوناته‏,‏ وبالسنن الإلهية الحاكمة له حتى يتحقق وصف المصطفي‏(‏ صلى الله عليه وسلم‏)‏ للقرآن الكريم بأنه‏:‏ لا تنتهي عجائبه‏,‏ ولا يخلق علي كثرة الرد‏,‏ وحتى يتحقق لنا جانب من أبرز جوانب الإعجاز في كتاب الله وهو ورود الآية أو الآيات في كلمات محدودة يري فيها أهل كل عصر معني معينا‏,‏ وتظل هذه المعاني تتسع باتساع دائرة المعرفة الإنسانية في تكامل لا يعرف التضاد‏,‏ وليس هذا لغير كلام الله‏.‏ رابعا‏ً:‏ بعد القسم بكل من الخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس يأتي جواب القسم‏:‏ إنه لقول رسول كريم‏(‏ التكوير‏:19)‏ ومعني جواب القسم أن هذا القرآن الكريم ـ ومنه الآيات الواردة في مطلع سورة التكوير واصفة لأهوال القيامة‏,‏ وما سوف يصاحبها من الأحداث والانقلابات الكونية التي تفضي إلي إفناء الخلق‏,‏ وتدمير الكون‏,‏ ثم إعادة الخلق من جديد ـ هو كلام الله الخالق الموحي به إلي خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ بواسطة ملك من ملائكة السماء المقربين‏,‏ عزيز علي الله‏(‏ تعالى‏),‏ وهذا الملك المبلغ عن الله الخالق هو جبريل الأمين‏(‏ عليه السلام‏),‏ ونسبة القول إليه هو باعتبار قيامه بالتبليغ إلي خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏صلى الله عليه وسلم‏).‏ خامسا‏:‏ إن هذا القسم القرآني العظيم جاء في سياق التأكيد علي حقيقة الوحي الإلهي الخاتم الذي نزل إلي خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏صلى الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه أجمعين وعلي من تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏),‏ والذي جاء للناس كافة لينقلهم من ظلمات الكفر والشرك والضلال إلي نور التوحيد الخالص لله الخالق بغير شريك ولا شبيه ولا منازع‏,‏ ومن فوضي وحشية الإنسان إلي ضوابط الإيمان وارتقائها بكل ملكات الإنسان إلي مقام التكريم الذي كرمه به الله‏,‏ ومن جور الأديان إلي عدل الرحمن‏,‏ كما جاء هذا القسم المؤكد بشيء من صفات الملك الذي حمل هذا الوحي إلي خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏صلى الله عليه وسلم‏),‏ وعلي شيء من صفات هذا النبي الخاتم الذي تلقي الوحي من ربه‏,‏ وحمله بأمانة إلي قومه‏,‏ رغم معاندتهم له‏,‏ وتشككهم فيه‏,‏ وادعائهم الكاذب عليه‏(‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ تارة بالجنون‏(‏ وهو المشهود له منهم برجاحة العقل وعظيم الخلق‏),‏ وأخري بأن شيطانا يتنزل عليه بما يقول‏(‏ وهو المعروف بينهم بالصادق الأمين‏),‏ وذلك انطلاقا من خيالهم المريض الذي صور لهم أن لكل شاعر شيطانا يأتيه بالنظم الفريد‏,‏ وأن لكل كاهن شيطانا يأتيه بالغيب البعيد‏.‏ وقد تلقي رسول الله‏(‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ كل ذلك الكفر والجحود والاضطهاد بصبر وجلد واحتساب حتى كتب الله تعالى له الغلبة والنصر فأدي الأمانة‏,‏ وبلغ الرسالة‏,‏ ونصح البشرية‏,‏ وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين‏.‏ وتختتم سورة التكوير بالتأكيد علي أن القرآن الكريم هو ذكر للعالمين وأن جحود بعض الناس له‏,‏ وصدهم عنه‏,‏ وإيمان البعض الآخر به وتمسكهم بهديه هي قضية شاء الله تعالى أن يتركها لاختيار الناس وفقا لإرادة كل منهم‏,‏ مع الإيمان بأن هذه الإرادة الإنسانية لا تخرج عن مشيئة الله الخالق الذي فطر الناس علي حب الإيمان به‏,‏ ومن عليهم يتنزل هدايته علي فترة من الرسل الذين تكاملت رسالاتهم في هذا الوحي الخاتم الذي نزل به جبريل الأمين علي قلب النبي والرسول الخاتم‏(‏صلى الله عليه وسلم‏),‏ وأنه علي الرغم من كل ذلك فإن أحدا من الناس ـ مهما أوتي من أسباب الذكاء والفطنة ـ لا يقدر علي تحقيق الاستقامة علي منهج الله تعالى إلا بتوفيق من الله‏.‏ وهذه دعوة صريحة إلي الناس كافة ليطلبوا الهداية من رب العالمين في كل وقت وفي كل حين‏.‏والقسم بالأشياء الواردة بالسورة هو للتأكيد علي أهميتها لاستقامة أمور الكون وانتظام الحياة فيه‏,‏ وعلي عظيم دلالاتها علي طلاقة القدرة الإلهية التي أبدعتها وصرفت أحوالها وحركاتها بهذه الدقة المبهرة والإحكام العظيم‏.‏ الخنس الجوار الكنس في اللغة العربية جاء في معجم مقاييس اللغة لابن فارس‏(‏ المتوفى سنة‏395‏ هـ‏),‏ تحقيق عبد السلام هارون‏(‏ الجزء الخامس‏,‏ الطبعة الثانية‏1972‏ م‏,‏ ص‏141,‏ ص‏223)‏ وفي غيره من معاجم اللغة تعريف لغوي للفظي الخنس والكنس يحسن الاستهداء به في فهم مدلول الخنس الجوار الكنس كما جاءا في آيتي سورة التكوير علي النحو التالي‏:‏ أولا‏:‏ الخنس‏:‏ خنس‏:‏ الخاء والنون والسين أصل واحد يدل علي استخفاء وتستر‏,‏ قالوا‏:‏ الخنس الذهاب في خفيه‏,‏ يقال خنست عنه‏,‏ وأخنست عنه حقه‏.‏ والخنس‏:‏ النجوم تخنس في المغيب‏,‏ وقال قوم‏:‏ سميت بذلك لأنها تخفي نهارا وتطلع ليلا‏,‏ والخناس في صفة الشيطان‏,‏ لأنه يخنس إذا ذكر الله تعالى‏,‏ ومن هذا الباب الخنس في الأنف انحطاط القصبة‏,‏ والبقر كلها خنس‏.‏ ومعني ذلك أن الخنس جمع خانس أي مختف عن البصر‏,‏ والفعل خنس بمعني استخفي وتستر‏,‏ يقال خنس الظبي إذا اختفي وتستر عن أعين المراقبين‏.‏ والخنوس يأتي أيضا بمعني التأخر‏,‏ كما يأتي بمعني الانقباض والاستخفاء‏.‏ وخنس بفلان وتخنس به أي غاب به‏,‏ وأخنسه أي خلفه ومضي عنه‏.‏ صورة حقيقة تشير لمكان أحد الثقوب السوداء ثانيا‏:‏ الجوار‏:‏ أي الجارية‏.(‏ في أفلاكها‏)‏ وهي جمع جارية‏,‏ من الجري وهو المر السريع‏.‏ ثالثا‏:‏ الكنس‏:‏ ‏(‏ كنس‏)‏ الكاف والنون والسين تشكل أصلين صحيحين‏,‏ أحدهما يدل علي سفر شئ عن وجه شئ وهو كشفه والأصل الآخر يدل علي استخفاء‏,‏ فالأول كنس البيت‏,‏ وهو سفر التراب عن وجه أرضه‏,‏ والمكنسه آلة الكنس‏,‏ والكناسة ما كنس‏.‏ والأصل الآخر‏:‏ الكناس‏:‏ بيت الظبي‏,‏ والكانس‏:‏ الظبي يدخل كناسه‏,‏ والكنس‏:‏ الكواكب تكنس في بروجها كما تدخل الظباء في كناسها‏,‏ قال أبو عبيدة‏:‏ تكنس في المغيب‏.‏ وقيل الكنس جمع كانس‏(‏ أي قائم بالكنس‏)‏ أو مختف من كنس الظبي أي دخل كناسه وهو بيته الذي يتخذه من أغصان الشجر‏,‏ وسمي كذلك لأنه يكنس الرمل حتى يصل إليه‏.‏ وعندي أن الكنس هي صيغة منتهي الجموع للفظة كانس أي قائم بعملية الكنس‏,‏ وجمعها كانسون‏,‏ أو للفظة كناس وجمعها كناسون‏,‏ والكانس والكناس هو الذي يقوم بعملية الكنس‏(‏ أي سفر شيء عن وجه شيء آخر‏,‏ وإزالته‏),‏ لأنه لا يعقل أن يكون المعني المقصود في الآية الكريمة للفظة الكنس هي المنزوية المختفية وقد استوفي هذا المعني باللفظ الخنس‏,‏ ولكن أخذ اللفظتين بنفس المعني دفع بجمهور المفسرين إلي القول بأن من معاني فلا أقسم بالخنس‏*‏ الجوار الكنس‏*:‏ أقسم قسما مؤكدا بالنجوم المضيئة التي تختفي بالنهار وتظهر بالليل وهو معني الخنس‏,‏ والتي تجري في أفلاكها لتختفي وتستتر وقت غروبها كما تستتر الظباء في كناسها‏(‏ أي مغاراتها‏)‏ وهو معني الجوار الكنس‏,‏ قال القرطبي‏:‏ هي النجوم تخنس بالنهار‏,‏ وتظهر بالليل‏,‏ وتكنس وقت غروبها أي تستتر كما تكنس الظباء في المغار وهو الكناس‏,‏ وقال مخلوف‏:‏ أقسم الله تعالى بالنجوم التي تخنس بالنهار أي يغيب ضوؤها فيه عن الأبصار مع كونها فوق الأفق‏,‏ وتظهر بالليل‏,‏ وتكنس أي تستتر وقت غروبها أي نزولها تحت الأفق كما تكنس الظباء في كنسها‏..‏ وقال بعض المتأخرين من المفسرين‏:‏ هي الكواكب التي تخنس أي ترجع في دورتها الفلكية‏,‏ وتجري في أفلاكها وتختفي‏.‏ ومع جواز هذه المعاني كلها إلا أني أري الوصف في هاتين الآيتين الكريمتين‏:‏ فلا أقسم بالخنس‏*‏ الجوار الكنس‏*.‏ ينطبق انطباقا كاملا مع حقيقة كونية مبهرة تمثل مرحلة خطيرة من مراحل حياة النجوم يسميها علماء الفلك اليوم باسم الثقوب السود‏(Black Holes).‏ وهذه الحقيقة لم تكتشف إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏,‏ وورودها في القرآن الكريم الذي أنزل قبل ألف وأربعمائة سنة بهذه التعبيرات العلمية الدقيقة علي نبي أمي‏(‏صلى الله عليه وسلم‏),‏ في أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين‏.
إضافة تعليق