| مغامرات جمال الطيب: ملحمة تجوال في الأسواق الحرة |
| بقلم د/ هيثم كامل الزبيدي |
| عن دار الأهلية للنشر والتوزيع، وبالتعاون مع مشروع منبر الحرية، صدر مؤخرا كتاب مغامرات جمال الطيب: ملحمة تجوال في السوق الحرة، لمؤلفه كين سكولاند.
على خلاف الكتب الأكاديمية التقليدية، يتميز الكتاب بخاصية جعلته يتفرد من حيث المعالجة، حيث أنه يشتمل على حكاية (narrative) مشوّقة، سهلة اللغة، تشتمل على جلّ العناصر التي تتوافر عليها الأعمال القصصية والروائية، فضلا عن كونها هادفة في مغزاها، تعليمية في فحواها. وتجدر الإشارة إلى أن كتاب كين سكولاند هذا قد طبع 58 طبعة، وتُرجم إلى 43 لغة، فضلا عن نشره على شكل حلقات في عشرات من الصحف في شتى أنحاء العالم. كما أن النسخ الإلكترونية من هذا الكتاب، والمتوفرة بجميع اللغات الحية، قد جرى تحميلها آلاف المرات عبر العديد من المواقع الالكترونية.
يقع الكتاب في مقدمة و39 فصلا مترابطا بشكل جعل القصة متماسكة متمتعة بوحدة موضوع واضحة، على الرغم من تنوع الجوانب التي تعالجها، والطرائف الساخرة التي تتضمنها. فجمال الطيب، بطل القصة وصاحب المغامرات، فتى يافعا حالما، تودي به عاصفة هوجاء نحو جزيرة غريبة في كل شيء يسكنها أناس غريبو الأطوار، يخضعون لسلطة شمولية مستبدة تهيمن على الثروات، وتتولى إدارة شؤون الشعب عبر حكم مركزي غاية في الفساد والبيروقراطية، ومن خلال عين جمال الثاقبة، ومشاهداته التي شكلت فصول هذه القصة، وبطريقة التساؤلات السقراطية الساخرة (Socratic irony) التي تدلّ على طيبته المبطّنة بالمعرفة، ينقلنا المؤلف نحو عالم تتلخص جميع مشكلاته، وهي أكثر من أن يتم حصرها، في أمر واحد فقط هو: غياب الحرية.
وبعد تحطّم قاربه، يجد جمال نفسه في الجزيرة التي مر ذكرها، وبعد ساعات من المشي، يسمع أصوات رجالٍ ينهالون على شجرة بالعصي، يريدون بذلك قطع الشجرة، وهم ممنوعون من استخدام الفؤوس والبلطات! منع مفروض من طرف السلطة المركزية التي تهدف من خلاله إلى تشغيل أكبر عدد ممكن من اليد العاملة. كما وجد امرأة تتعرض لعقوبة الإعدام، لا لشيء سوى أنها صنعت فأسا بسيطة وراحت تقطع الشجرة "في أقل من ساعة" مما هدد فرص العمل المحلية والأمن القومي!!
وتستمر رحلة جمال الطيب ليصل إلى مدينة دخولها عسير جدا بسبب ’الحواجز‘ الصخرية والعوائق المصطنعة التي وضعت في مدخل المدينة، بحيث يستحيل على الوافدين إدخال أية سلعة كانت إلى المدينة. كما وجد الناس يزحفون على أقدامهم لأن السلطة قد فرضت ضريبة (طول القامة)، فكلما كان الفرد طويلا، زاد حجم الضريبة. كما وجد امرأة تجمع التواقيع من المواطنين على التماسها الذي تطالب فيه بحظر الشمس، لأنها تدمر صناعة المعاطف وصناعة الشموع، كونها توفر الدفء والنور بالمجان، مما يضر بالصناعة الوطنية!
وتتواصل مغامرات جمال ليتعرّف على الأبعاد الأخرى التي يعاني منها سكان المدينة، والتي يعرفها كل من عاش في ظل حكم شمولي، مركزي. فالمطاعم حكومية، وهي تقدّم طعاما رديئا، والمستشفيات سيئة، ومجلس المستشارين يبيع الاحتكارات على اختلاف أنواعها (حتى تلك المتعلقة بطبع النقود)، واحتكار خدمة البريد يُمنح للسلحفاة بينما يُحرم الأرنب المتفاني من فرصة العمل في ذلك المجال، والمساكن تخضع لترتيب فنطازي عجيب، والمكتبات لا تحتوي إلا على كتب السلطة، وغير ذلك من التدابير التي تستعبد المواطن وتجعل حياته جحيما.
وتخلص الرواية إلى حكمة الكاتب التي هي فلسفة مرتكزة على الحرية في جوهرها، مبنية "على مبدأ امتلاك الذات. فأنت تمتلك حياتك. وإنكار ذلك يعني أن شخصاً آخر أجدر منك لديه حق المطالبة بحياتك. ولكن ما من شخص آخر أو جماعة من الأشخاص يملكون حياتك، كما أنه لا حق لك في ملكية حياة الآخرين." ويستمر الكاتب في خاتمة روايته قائلا: "في بعض الأحيان يلجأ بعض الناس إلى القوة للأخذ من الآخرين بدون موافقتهم الإرادية الاختيارية. في الأحوال العادية، يكون اللجوء للقوة لإنهاء الحياة عملية قتل محضة، ويكون الحرمان من الحرية عبودية ، ويكون الاستيلاء على ملكية الغير سرقة. والأمر سيان إذا ارتكب هذه الأفعال فرد واحد بمحض إرادته المنفردة ، أو قامت بها الأغلبية ضد الأقلية ، أو حتى الموظفين ذوي الأزياء الجميلة والألقاب المحترمة .
" من حق الإنسان أن يحمي حياته، وحريته ، وأمواله أو أملاكه التي آلت إليه بشكل سليم، و يحميها من اعتداء الآخرين. لذا فلك أن تطلب –بشكل قانوني – من الآخرين مساعدتك في الدفاع عن نفسك. ولكن لا يحق لك استخدام القوة ضد حياة وحرية وملكية الآخرين. وبالتالي، فلا يحق لك تكليف شخص ما باستخدام القوة ضد الآخرين نيابة عنك."
يقع الكتاب في 242 صفحة من القطع المتوسط، وقد أشرف على ترجمته فريق منبر الحرية www.minbaralhurriyya.org.
|
| * نُشر بالتعاون مع مشروع منبر الحرية www.minbaralhurriyya.org |