الرئيسية
الأخبار
تحقيقات
تقارير
أهالينا
حوادث و قضايا
أدب وثقافة
رياضة
ارسل مقالا
الوثائقية
راسلنا
من نحن
مفارقة التبادل ليست لعبة ناتج صفريّ
بقلم د/ نوح الهرموزي
على خلاف جل الكتب التي تهلل و تأصل للنظريات الانعزالية و الانطوائية الذائعة الصيت في عالمنا العربي، و التي أدت إلى كوارث اقتصادية لا يزال المواطن العربي يدفع ثمنها غاليا منذ الاستقلال إلى يومنا هذا (الاقتصاد الجزائري أو السوري أو المصري غداة الاستقلال نموذجا) يقدم البروفسور مانويل ف. آيو في كتابه "مفارقة التبادل: ليست لعبة ناتج صفريّ" و الذي ترجمه الدكتور هيثم كامل الزبيدي، يقدم الكاتب نقدا في غاية البساطة و الإقناع لهذه النظريات و ببداغوجية منقطعة النظير يفند من خلالها نظريات التبادل غير المتكافئ لأرغيري إمانويل، و نظريات تعويض الواردات لراوول بيربش. إن تاريخ الوقائع الاقتصادية يزخر بأمثلة لدول استطاعت الانخراط بذكاء في مسلسل العولمة الاقتصادية و الاستفادة من التجارة الدولية لتحقيق خطوات هائلة في مسار التقدم. والتجربة الاقتصادية تبين كيف انتقلت كوريا، أو تايوان، أو الصين من مرحلة تصدير المواد الأولية أو المنتوجات غير المصنّعة أو نصف المصنّعة (ضعيفة الحمولة التكنولوجية) إلى بلدان تملك قدرات تنافسية عالية في صناعة السيارات أو السفن، أو الإلكترونيات أو الحواسيب. كما أصبح الاقتصاد التونسي (المفتقر للثروات البترولية) الاقتصاد الأكثر ديناميكية في إفريقيا برمتها نتيجة انفتاحه و استفادته من الرساميل الأجنبية و تطوير قدراته التنافسية. يعتمد الكاتب في تحليله على نظرية الميزة المقارنة أو النسبية (comparative advantage) التي دافع عنها دافيد ريكاردو، و جون ستيوارت ميل لكي يوضح مزايا العملية التبادلية التي يعتبرها أمرا أساسيا لأي اقتصاد— ليس فقط لاقتصاديات السوق، أو التجارة الدولية، ولكن للإنسانية برمتها. و توضّح هذه النظرية أن على الدول التخصص في المنتجات التي تمتلك فيها ميزة مقارنة مع باقي منتجات البلاد. وهكذا يتم تقسيم العمل بين البلدان و التبادل التجاري على ضوء السلع التي يتميز بصناعتها كل بلد. و سيؤدي تقسيم العمل إلى التخصص وما يترتب عليه من زيادة في إنتاجية الفرد و المجتمع. ومن الأمثلة الأكثر اقتباسا، يذكّر الكاتب بمثال مصنع الدبابيس الذي جاء به آدم سميث. إذ قارن سميث بين ضآلة حجم الإنتاج قبل تقسيم العمل، وارتفاع الإنتاج الذي حصل بعد تقسيم المهام حسب التخصصات. وبتزايد التخصص، فإن الإنتاجية الفردية لكل مشارك في مجاله ستزيد بدورها من الفروق في القدرات، مما يقلل تكاليف الفرص البديلة (opportunity cost) لكل واحد منهم. وعندما تقلّ تكاليف الفرص البديلة، يمكن لكل فرد أن يعرض المزيد في عملية التبادل مما يزيد من فوائد وثروة الجميع. ويدفع التخصص إلى الابتكار الدائم لطرق تمكّن من توفير الوقت والاستغلال الأمثل للموارد، مما يؤدي إلى كسب الوقت وتحرير الموارد، ويجعل من الممكن زيادة كمية -- والاهم من ذلك-- نوعية السلع والخدمات الاستهلاكية. فلكي تتزايد ثروة الفرد، ليس أمامه سوى خيارين: إما أن يعرض البضائع أو الخدمات عبر التبادل الطوعي مع الآخرين أو أن يلجأ (وكما هي القاعدة في معظم دولنا العربية) إلى الإكراه أو الاحتيال أو الحصول على امتيازات حكومية. و كمثال على هذه الامتيازات نجد التعرفة الجمركية "الحمائية" المفروضة على المنافسين الأجانب و التي تمنع، في واقع الأمر، المستهلكين المحليين من شراء البضائع المستوردة بأسعار مخفضة. فالتبادل الطوعي، كما يؤكد الكاتب، يستنبط قوته من كون الأفراد يتباينون في التقييمات الذاتية التي يعطونها للسلع و الخدمات. فهم عندما يتاجرون طوعا، فذلك يعني أنهم يتخلون عن شيء معين قاموا بتقييمه بشكل طوعي وذاتي على أنه أقل قيمة مما سيكسبون. و كما ينبه من خلال استعمال "نظرية الألعاب" فإن التبادل الطوعي ليست عملية يربح فيها اللاعب الأول ما يخسره اللاعب الثاني، أي أن التبادل التجاري الطوعي ليس لعبة ناتج صفري Not Zero-Sum Game. بل هي لعبة يربح فيها الطرفان win/win situation . واعتمادا على هذه النظرية يخلص الكاتب إلى الفكرة التي مفادها أن التبادل يعود بالنفع المتبادل لجميع الأطراف شريطة أن يكون طوعيا ومرتكزا على حقوق ملكية واضحة المعالم. إن تفعيل قوانين حقوق الملكية، كما يوضح الكاتب، يساهم في خفض التكاليف التبادلات ويزيد من الكفاءة الاجتماعية الاقتصادية، ويقلل من الفقر. إضافة إلى ذلك، فإن لاحترام الحقوق الملكية منافع موازية، فهو يساهم في تجنب التلوث (لأن الملوث يعتدي على حقوق شخص آخر في الحصول على بيئة ملائمة) كما أنه يقلل من الفساد (سرقة حقوق ملكية شخص آخر) ويحد من الرشوة. كما يؤكد الكاتب على الدور المحوري الذي تلعبه المنافسة في إشباع حاجات الأفراد، ورغباتهم بالإضافة إلى مساهمتها التي تؤدي إلى ظهور تسويات وتغييرات في طريقة صنع الأفراد للسلع و تقديمهم للخدمات. فتحرير التنافس يسلط ضغطا إيجابيا على المنتجين ويدفعهم إلى تقديم أحسن المنتجات، و التكيف مع طلبات العملاء من أجل البقاء في خدمتهم. فالمنافسة تحث على الخلق والإبداع. و حينها ستصبح السلع والخدمات (التي كانت ذات يوم غالية السعر) بخسة الثمن متجاوزة لتعوض بسلع من نوع و طراز أحدث. وقد أطلق جوزيف شومبيتر على هذه العملية اسم "التدمير الخلاق"(creative destruction). لا يتوانى مناهضو التجديد و المنافسة بالتذكير بالخطابات الكلاسيكية المناوئة للحرية التجارية مستطردين أن للمنافسة و التغير تكاليف اجتماعية و اقتصادية بما فيها تهديد الاقتصاد الوطني و الوظائف. وردا على هذه التخوفات يستدل الكاتب بأمثلة تاريخية و يفسر كيف أن صانعي السيارات قد قضوا على تجارة عربات الخيول! فلا يجب أن نستغرب من قيام المنتجين المحليين من تشكيل جماعات ضغط على حكومتهم من أجل سَنِّ (فرض) ضرائب استيراد، أو رسوم جمركية لإبقائهم خارج المنافسة. فعرقلة أو تأخير التقدم يتوقف على مدى نجاح جماعات الضغط في فرض الرسوم الجمركية و سن القوانين "الحمائية" (و التي لا تحمي في واقع الأمر إلا مصالح نخب سياسية قوية و نافذة على حساب مصلحة الشعوب). و لو كنا حققنا أمانا واستقرارا وظيفيا منذ العصر الحجري، يضيف الكاتب، لكنا لا نزال نعيش في الكهوف إلى اليوم. و يتوقف الكاتب بالنقد و التحليل، في الجزء الثاني من الكتاب، للسياسات النقدية و خاصة سياسة صرف العملات الأجنبية. و يوضح أن التلاعب الذي تقوم به الحكومة في أسعار صرف العملات له نفس تأثير الضرائب المفروضة على الواردات أو الدعم المالي للصادرات. و يضيف أن الحكومة عندما تتدخل في سوق العملات الأجنبية، فإنها تؤثر سلبا على الموازنة. فإما تؤدي إلى فوائض و تراكم غير طبيعي للاحتياطي، أو تراكم للديون الخارجية. و في نقده لسياسة التعرفات الجمركية يوضح الكاتب أنه عندما تقوم حكومة ما بفرض تعرفة على بضاعة صينية أو أوربية، إنما هي في الواقع تجبي، بطريقة غير مباشرة، مزيدا من الضرائب من مواطنيها. لأنه يتوجب أن ينفقوا المزيد من المال للحصول على تلك البضاعة الصينية أو الأوروبية أو الاقتصار على سلع محلية غالبا ما تكون أقل جودة. وفي المحصلة، فإن الأفراد المشترين للبضاعة المستوردة هم الذين يدفعون الضرائب على شكل خسارة في قدرتهم الشرائية. ناهيك عن فقدان قدرة الأجانب الشرائية لبضائعنا المحلية من جراء فرض تعرفة على مبيعاتهم و إضعاف قدراتهم الشرائية. لذا، فإن التعرفة المفروضة على الواردات تأثر أيضا سلبا على فرص العمل على الصعيد المحلي. ويختم الكاتب هذا الكتيب بتخيل سيناريو ممتع إلى ماذا سيؤول إليه الأمر لو أن ولاية إنديانا الأمريكية تبنت سياسات "الحمائية التجارية" الشائعة في معظم الدول النامية عوضا عن المتاجرة بحرّية مع باقي الولايات الأمريكية. نُشر هذا الكتاب، الذي يقع في 120 صفحة من القطع المتوسط، بالتعاون بين دار الأهلية للنشر والتوزيع و مشروع منبر الحرية www.minbaralhurriyya.org.
* نشر بالتعاون مع مشروع منبر الحرية www.minbaralhurriyya.org.